فخر الدين الرازي
16
تفسير الرازي
ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شئ قدير . لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الدلائل على الوحدانية وذلك لأنه لما استدل أولاً بأحوال السماء والأرض وثانياً بالآثار العلوية استدل ثالثاً بأحوال الحيوانات ، واعلم أن على هذه الآية سؤالات : السؤال الأول : لم قال الله تعالى : * ( والله خلق كل دابة من ماء ) * مع أن كثيراً من الحيوانات غير مخلوقة من الماء ؟ أما الملائكة فهم أعظم الحيوانات عدداً وهم مخلوقون من النور ، وأما الجن فهم مخلوقون من النار ، وخلق الله آدم من التراب لقوله : * ( خلقه من تراب ) * ( آل عمران : 59 ) وخلق عيسى من الريح لقوله : * ( فنفخنا فيه من روحنا ) * ( التحريم : 12 ) وأيضاً نرى أن كثيراً من الحيوانات متولد لا عن النطفة والجواب من وجوه : أحدها : وهو الأحسن ما قاله القفال وهو أن قوله : * ( من ماء ) * صلة كل دابة وليس هو من صلة خلق ، والمعنى أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله تعالى وثانيها : أن أصل جميع المخلوقات الماء على ما يروى " أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم من ذلك الماء خلق النار والهواء والنور " ، ولما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة وكان الأصل الأول هو الماء لا جرم ذكره على هذا الوجه وثالثها : أن المراد من الدابة التي تدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك فيخرج عنه الملائكة والجن ، ولما كان الغالب جداً من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء ، إما لأنها متولدة من النطفة ، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء لا جرم أطلق لفظ الكل تنزيلاً للغالب منزلة الكل . السؤال الثاني : لم نكر الماء في قوله : * ( من ماء ) * وجاء معرفاً في قوله : * ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) * ( الأنبياء : 30 ) والجواب : إنما جاء ههنا منكراً لأن المعنى أنه خلق كل دابة من نوع من الماء يختص بتلك الدابة ، وإنما جاء معرفاً في قوله : * ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) * لأن المقصود هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس ، وههنا بيان أن ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة . السؤال الثالث : قوله : * ( فمنهم ) * ضمير العقلاء وكذلك قوله : * ( من ) * فلم استعمله في غير العقلاء ؟ والجواب : أنه تعالى ذكر ما لا يعقل مع من يعقل وهم الملائكة والإنس والجن فغلب